ابن رشد

156

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 176 ] وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع ، والأصوات ممكنة أن ترى . وهذا كله خروج عن الطبع ، وعن ما يمكن أن يعقله إنسان . فإنه من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع ، وأن محسوس هذه غير محسوس تلك ، وان آلة هذه ( 48 / و ) غير آلة تلك ، وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعا ، كما ليس يمكن أن يعود اللون صوتا . [ 177 ] والذين يقولون إن الصوت يمكن أن يبصر في وقت ما ، فقد يجب أن يسألوا ، فيقال لهم : ما هو البصر ؟ فلا بد من أن يقولوا هو قوة تدرك بها المرئيات : الألوان وغيرها . ثم يقال لهم ما هو السمع ؟ فلا بد أن يقولوا هو قوة تدرك بها « 81 » الأصوات . فإذا وضعوا هذا ، قيل لهم : فهل البصر عند إدراكه الأصوات ، هو بصر فقط ، أو سمع فقط ؟ فإن قالوا : سمع فقط ، « 82 » فقد سلموا أنه لا يدرك الألوان . وإن قالوا : بصر فقط ، فليس يدرك الأصوات . وإذا لم يكن بصرا فقط لأنه يدرك الأصوات ، ولا سمعا فقط لأنه يدرك الألوان فهو بصر وسمع معا . وعلى هذا فستكون الأشياء كلها شيئا واحدا ، حتى المتضادات . وهذا شيء فيما أحسبه يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا ، أو يلزمهم تسليمه ، وهو « 83 » رأي سوفسطائي لأقوام قدماء مشهورين بالسفسطة . [ 178 ] وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية ، فهي الطريقة التي اختارها أبو المعالي في كتابه المعروف ب " الإرشاد " ، وهي هذه الطريقة : وتلخيصها ، أن الحواس إنما تدرك ذوات الأشياء . وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض هي « 84 » أحوال ، ليست بذوات . « 53 » فالحواس لا تدركها وإنما تدرك

--> ( 53 ) نظرية الأحوال قال بها أبو هاشم الجبائي أحد كبار منظري المعتزلة عندما اصطدم بما يعرف في المصطلح الفلسفي ب " الكليات " وهي المفاهيم العامة المجردة ، مثل مفهوم " الإنسانية " ومفهوم العالمية التي يشترك فيه جميع العلماء . ولما كان المتكلمون قد حصروا الوجود في الذات والصفات والأفعال فقد اضطربوا في تصنيف هذه المفاهيم الكلية . فقولنا " محمد " يفهم منه الذات ، أي الشخص ، ومن بين صفاته العلم ، وله أفعال . . . لكن قولنا عنه : " عالم " ليس بذات ولا صفة ( الصفة هي العلم ) ولا فعل . فما هو ؟ قال أبو هاشم : إنه " حال " . والأحوال عنده تتميز بكونها لا موجودة ولا معدومة ولا مجهولة ولا معلومة : فليس هناك شيء في الوجود هو العالمية ولكنه مع ذلك موجودة لأنها حال للعالم . والإشكال هنا مصدره عدم التمييز بين الوجود في الأذهان والوجود في الأعيان . ومشكل الكليات عرفته القرون الوسطى الأوروبية ، فكانت هناك نزعتان : اسمية ، قالت إن الكليات مجرد أسماء ، ونزعة مثالية تنسب للكليات نوعا من الوجود الموضوعي خارج عالم الحس على غرار مثل أفلاطون . ( 81 ) . س . سقط من المتن . وفي بقية النسخ " قوة تدرك بها " ( 82 ) س . سقط من المتن " فإن قالوا سمع فقط " وثبت في الهامش . ( 83 ) س " وهي " . ( 84 ) . ت : " وهي " .